علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
9
البصائر والذخائر
صفت فليس من طبعها أن تدوم . وقد رأيت مصارع المغترّين بها ، وعواقب الخافضين فيها ، كيف ملأت القلوب عبرة ، والعيون عبرة . وليكن همّك مطويّا على العلم والعمل والإخلاص والشكر والعفّة والطّهارة والصّدق ، فإنّ هذه صفات ملائكة اللّه المقرّبين ، وحلي أنبيائه المرسلين . واطلب الكمال جهدك في كلّ ما خفّف الخير عليك ، ونظم شمل الإحسان بين يديك . واتق النّقص عائفا له ، متبرّئا منه ، هاجرا للنّاقص ، إنه كالعليل الذي لا بدّ له من التذلّل للطّبيب ، يصبر على من يخرجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم ، ومن لغب « 1 » العمى إلى روح البصيرة ، ومن خناق العيّ إلى اتساع البيان ، ومن أسر العدوّ إلى فكاك الوليّ ، ومن شماتة الحاسد إلى مسرّة الصّديق ، ومن حبس العجز إلى ساحة الدّرك . هيهات ! أين هذا المعنيّ بنفسه الذي يرى حياته من مواهب اللّه النّفيسة ، وزمانه من نعمه الكريمة ، فيدأب في كسب الكمال واستمداد الفضل وطلب العلم ، مرة بدرس كتاب ، ومرة بمذاكرة نظير ، ومرة بخدمة عالم ، مستعينا باللّه في تصرّفه ومستقرّه ، عالما أنّه لا مانع لما أعطى ، ولا معط لما منع . نعم ، ولن يتمّ له ذلك أيضا حتى يغار على الحكمة غيرته على الحرمة ، ويصونها كما يصون العشيقة ، وينفر ممّا قدح فيها أو تحيّف منها ، كما ينفر من القاذورة الشّنعاء والدّاهية الشّعواء ، وحتى يخدمه « 2 » بالتّنقيح ساهرا ، ويقيه لا حق العيب باطنا وظاهرا ، ويبعده من الطّعن غائبا وحاضرا ، فعند ذلك يشرّفه ويفضّله ، ويزكّيه ويعدّله ، ويقوم في النّوادي الحافلة خطيبا بمحاسنه ، ويدخله مضمار السّابقين ، وينزله لسان صدق في الآخرين . وينبغي أن تعلم أنّ من أراد خطابة البلغاء على طريقة الأدباء ، ومجاراة
--> ( 1 ) اللغب : التعب والإرهاق . ( 2 ) الضمير في هذا الفعل وما بعده يعود إلى العلم .